ثورة سوريا في عامها التاسع..تحول المشهد من الصراع في سورية إلى الصراع عليها

بقلم: محمود عثمان

بدأ الحراك الشعبي السوري في 15 آذار من عام 2011 مطالبا بالحرية والكرامة، وأخذ طابعا جماهيريا، سرعان ما انتشر ليشمل الجغرافيا السورية بأكملها، خلال مدة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، لكن نظام الأسد الاستبدادي واجه الحراك الشعبي السلمي بالقمع والقتل والاعتقال والتعذيب الوحشي.

بدأت الثورة السورية إثر أحداث مدينة درعا، حين قام أمن النظام بقيادة عاطف نجيب ابن خالة بشار الأسد باعتقال خمسة عشر طفلاً، وتعذيبهم بطريقة وحشية، بسبب كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير/شباط 2011.

استمرت الثورية السورية في نهجها السلمي الجماهيري ما يقارب العام، إلى حين قيام النظام بدفعها للعسكرة، وجرها نحو العنف، من خلال إنزاله الجيش لمكافحة التظاهرات وحصار المدن، حيث رفض عدد كبير من ضباط الجيش وجنوده تصويب أسلحتهم على أهلهم وشعبهم، فبدأت الانشقاقات التي قادت إلى تأسيس الجيش الحر، وإطلاقه سراح أعضاء الحركة السلفية المعتقلين في سجن صيدنايا، ليقوم هؤلاء بتأسيس حركة مقاومة اتخذت طابعا أيدلوجيا دينيا، رفعت شعارات تراثية إسلامية، معلنين رفضهم للديمقراطية والدولة المدنية.

رفض نظام الأسد جميع النصائح العاقلة من تركيا والدول العربية، التي دعته للاستجابة لمطالب شعبه ولو بشكل تدريجي، واختار السير في ركاب إيران التي أشارت عليه ودفعته إلى إغراق الساحة بالمتطرفين لكي يقدم الدليل على أن ما يحدث هو حركة تمرد إرهابية، ثم ساعدته القوى الدولية بفتح المجال أمام الإرهاب العابر للحدود مثل “القاعدة” و “داعش” وأخواتها، فأصبح على العالم أن يختار بين نظام حكم علماني وبين خلافة إسلامية ذات طابع إرهابي.

** الصراع الدولي على سورية شهدت الساحة السورية خلال الأعوام الماضية سلسلة من التحولات السياسية والمتغيرات الميدانية، بتأثير العوامل الخارجية والفواعل الدولية والإقليمية، جعلت طرفي الصراع، نظام الأسد والشعب السوري الثائر، الحلقة الأضعف في عملية /آلية القرار السوري، فتحول السوريون إلى مجرد عامل ثانوي مكمل للمشهد لا أكثر.
رغم كل شيء فإن المعطيات تشير إلى أن الصراع في سورية لن يتوقف دون تحقيق نوع من الانتقال السياسي، الذي يضمن تغيير طبيعة نظام الحكم، فيزيل الطابع الأسري للحكم المطلق، ويفتح الباب أمام عودة السوريين في الداخل والخارج لوطنهم وبيوتهم، ويطمئنهم على امكانية العودة من جديد إلى الحياة الطبيعية، ووقف الحرب الأهلية التي فجرها النظام.

** المقاربة الأمريكية للأزمة السورية : 

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ سحب قوات بلاده من سورية، تسبب في خلط الأوراق واختلال الموازين، ليس في الساحة السورية وحدها بل في منطقة الشرق الأوسط عموما، حيث بدأت الدول المعنية والقوى الدولية والاقليمية مرحلة إعادة الحسابات والتموضع بناء على المعطيات الأمريكية الجديدة.

الإدارة الأمريكية تركت عملية الانسحاب من سورية ضبابية لفترة طويلة نسبيا، لكي تؤدي إلى ارتفاع حدة التجاذبات بين الأطراف الفاعلة في الساحة السورية. لكن بوادر خطة عسكرية أمريكية جديدة بخصوص الانسحاب وإدارة منطقة شرق الفرات بدأت تتبلور مؤخرا.

تتضمن الخطة العسكرية الأمريكية مشاركة الحلفاء الأوربيين إدارة شؤون منطقة شرقي الفرات وتمكين ميليشيات “قسد” من إنشاء منطقة حكم ذاتي بعيدة عن الحدود مع تركيا، رغم معارضة أنقرة الشديدة.

وتقضي الخطة الأمريكية بنشر 1500 عسكري أوروبي، مقابل نشر 200 مقاتل أمريكي

لتقديم الدعم الاستخباراتي وعمليات القيادة والسيطرة، والقيام بمهمة الفصل بين مليشيات قسد والمنطقة الآمنة. بهذه الطريقة تحافظ واشنطن على بعض النفوذ في شمال شرق سورية، وتخفف من تبعات القرار المفاجئ بسحب قواتها من المنطقة.

في الوقت ذاته، تستمر إدارة ترامب في سياسة إضعاف إيران في سورية والعراق، سواء من خلال استهداف الطيران الاسرائيلي المتكرر للمواقع الاستراتيجية الحساسة التابعة لإيران وحزب الله اللبناني في سورية، أو من خلال إحكام الحصار الاقتصادي على دمشق.

واشنطن استخدمت الفيتو ضد محاولات إعادة النظام لشغل مقعد سورية في الجامعة العربية، كما أجهضت جهود بعض الدول العربية الرامية لتعويم نظام الأسد، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، بهدف الضغط على النظام للقبول بإجراء إصلاحات سياسية، وفرض مزيد من العزلة السياسية على إيران.

** المقاربة الروسية للأزمة السورية : 

كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 28 فبراير 2019 عن ملامح خطة عكف على إعدادها مستشاروه منذ مطلع عام 2019 ،أكد فيها سعي موسكو إلى: “إنشاء مجموعة عمل دولية تشمل جميع الأطراف المعنية، وبالدرجة الأولى القيادة السورية، وربما المعارضة ودول المنطقة، وجميع المنخرطين في النزاع، وستتولى المجموعة مهمة الاستقرار النهائي بعد القضاء على جميع بؤر الإرهاب”. وأضاف بوتين أن الخطة تتضمن: “سحب جميع القوات الأجنبية من الأراضي السورية واستعادة مؤسسات الدولة السورية مع الحفاظ على وحدة أراضيها”.

بعد الإعلان عن تلك الخطة بادرت موسكو إلى تكثيف دبلوماسيتها لحشد التأييد الإقليمي، لكن محاولات الروس إقناع الدول الخليجية بتوفير التمويل اللازم لنظام الأسد مقابل تعهد موسكو بكبح النفوذ الإيراني في سوريا باءت بالفشل.

كما تواجه الخطة الروسية عقبات دولية تتمثل في عزم واشنطن ملء الفراغ الناتج عن انسحابها بترتيبات بديلة تضمن عدم استئثار موسكو بالنفوذ، وتعمل في الوقت نفسه على إذكاء الصراع بين موسكو من جهة وأنقرة وطهران من جهة أخرى، حيث تثور الشكوك من حقيقة نوايا بوتين الذي يعمل على إقصاء حلفائه تحت بند ”خروج القوات الأجنبية“ بهدف الاستئثار بغنائم المعركة، وخاصة فيما يتعلق بالثروة النفطية.

** إيران .. تصعيد في سورية لتخفيف الضغوط الأمريكية 

يسود الاعتقاد في طهران أنه بات من الضروري نبذ السياسات التصالحية مع الغرب التي تبناها الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف، وتبني استراتيجية شبيهة بالنهج الكوري الشمالي الذي فرض فيه “كيم جونغ أون” نمطًا مغايرًا للتعامل مع واشنطن من خلال سياسة تصعيدية في مجال تطوير البرامج النووية والصاروخية.

ويرى مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي والمحيطون به ضرورة سلوك النهج الكوري في عملية التوصل إلى تفاهمات مع الغرب عبر اللجوء إلى استراتيجية الردع، حيث تستطيع إيـران تهديد المصالح الأمريكية في الخليج العربي والبحر الأحمر وكذلك في العراق وسورية، بالإضافة إلى إسرائيل التي يرى قائد ”فيلق القدس“ قاسم سليماني ضرورة نشر منظومات صاروخية في مواجهتها جنوب سورية وغرب العراق للتفاوض من موقع قوة.

وعلى وقع الجهود الميدانية الروسية لتقليص النفوذ الإيراني في دمشق؛ تتنامى الشكوك الإيرانيةُ فيما ينظر إليه على أنه محاولات روسية لتجاوز إيران التي دفعت ثمنًا باهظًا لإبقاء بشار الأسد، والاستئثار بامتيازات الغاز والنفط ومناجم الفوسفات، حيث كانت إيران ترغب بالحصول على حقوق التنقيب على النفط والغاز في المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ طرطوس إلى محاذاة مدينة بانياس وحقل قارة في حمص، لكن النظام عدل عن تعهداته لإيران ومنحها للشركات روسية.

الاتهامات المتبادلة بين موسكو وطهران وصلت ذروتها عندما اتهم رئيس لجنة الأمن القومي

في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحات بيشه، الحليف الروسي بالتواطؤ مع الهجمات الإسرائيلية ضد المواقع العسكرية الإيرانية في سورية.

الرد الروسي على الاتهامات الايرانية لم يتأخر، حيث صرح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، لقناة سي إن إن موضحا : “أن روسيا ليست حليف إيران في سورية”، وأن الطرفان يعملان معًا في إطار مباحثات أستانة فقط، مؤكدًا أن: “إسرائيل تعتبر أولوية لروسيا”، ومنتقدًا، في الوقت ذاته، “أجندة إيران المعادية لإسرائيل”.

التجاذبات الايرانية الروسية لم تقف عند حدود التصريحات، بل تعدتها للمواجهات العسكرية بين وكلاء الطرفين في سورية، حيث وقعت مواجهات عسكرية تمثلت في اشتباك الفيلق الخامس الموالي لروسيا مع الفرقة الرابعة المدعومة من إيران، مما دفع طهران لتحريك نحو عشرة آلاف مقاتل من ”الحشد الشعبي“ باتجاه الحدود العراقية-السورية لتعزيز وجودها جنوب غربي البلاد.

** تركيا .. وحدة سورية صمام الأمان لأمنها الاستراتيجي 

لا تبدو التطمينات التي تقدمها واشنطن لأنقرة كافية لبناء الثقة بين الطرفين، حيث لم يقدم الطرف الأمريكي أي سيناريو من شأنه إزالة مخاوف أنقرة حول مصير الأسلحة الثقيلة التي تم تسليمها لميليشيات قسد. كما أنه لا يوجد أتفاق حول هوية وطبيعة وحجم القوات التي ستتولى مهمة حفظ الأمن في المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها في الشريط الحدودي بين تركيا وسورية.

أنقرة تؤكد على ضرورة أن تكون المنطقة الآمنة في سورية بعمق ٣٠ كيلومترًا من الحدود مع تركيا، وبإشرافها وإدارتها، ولن توافق على منح السيطرة على هذه المنطقة لأي جهة أخرى.

تشعر أنقرة بالغضب والشك إزاء رفض بوتين طلب الرئيس أردوغان السماح بدخول القوات التركية إلى الشمال السوري، فضلا عن التصعيد الروسي في إدلب وضغطها على أنقرة لإحياء اتفاق ”أضنة“ بهدف منع تمرير مشروع المنطقة الآمنة من جهة، وحمل تركيا على إرجاع العلاقات مع نظام دمشق من جهة ثانية.

وفيما يتلاشى الدور التوافقي لأستانة على وقع خلافات الضامنين، يسود القلق لدى أنقرة من إمكانية توافق واشنطن وموسكو على خطة مشتركة لشرقي الفرات وغربيه في معزل عنها، الأمر الذي دفعها لتنسيق مواقفها مع طهران، حيث أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو عن شن عملية عسكرية بالتعاون مع إيران ضد منظمة بي كا كا الارهابية، وقد تشهد الأيام المقبلة مزيدا من التقارب التركي-الإيراني لمنع مشروع الحكم الذاتي الانفصالي، وتحجيم طموحات موسكو بإبعاد شركائها عن المشهد السوري.

** لا سلام في سورية إلا عبر الانتقال السياسي 

انحسار العمليات القتالية، وتراجع قوى الثورة ميدانيًا، لا يعني انتهاء الثورة السورية، ولا يعني هزيمة مؤسساتها أو انتصار النظام عليها، بل تشير إلى الانتقال من مرحلة لها طبيعتها وأدواتها، إلى مرحلة أخرى مختلفة عنها، لها معطياتها وأدواتها، حيث يتحول المشهد السياسي للثورة من مرحلة ”الهدم“ إلى مرحلة ”البناء“، في حين يواجه نظام الأسد تحديات سياسية واقتصادية ودبلوماسية لم يشهدها من قبل.

المشروع الروسي لإعادة تأهيل النظام، محكوم بالفشل حتى لو اعترفت به بعض الدول، لأن نظام الأسد لم يعد نظام حكم، فهو لا يملك أي عنصر من عناصر الدولة والسلطة الوطنية والقانون، فقد تحول إلى تجمع مافيات مسلحة متنازعة، نزاعها مرشح للزيادة بسبب تضارب مصالحها.

لا تشير المعطيات الحالية إلى تغيير دراماتيكي يمكن أن يحصل في الأشهر القادمة، حيث التجاذبات حول تشكيل اللجنة الدستورية قائمة، والجهود مستمرة لإيجاد حل سياسي بين النموذج الذي تريده موسكو ويضمن لروسيا السيطرة الكاملة على سورية والإشراف الكامل أيضا على الحل السياسي فيها، سواء ببقاء الأسد أو بتغييره، لكن بشروط تضمن له الخروج الآمن مع الحفاظ على نظامه مع بعض التعديلات التجميلية، وبين النموذج الذي يهتدي بالقرارات الدولية التي تفضي إلى انتقال سياسي يغير من النظام القائم، سواء بإعادة توزيع السلطات بين المؤسسات السورية وفي مقدمها سلطات الرئيس، والاعتراف بحد أدنى من الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالتالي ضمان الحد الأدنى من حكم القانون والقضاء العادل والحريات الاساسية والمشاركة الشعبية في الحكم.

لا سلام في سورية ولا استقرار إلا عبر الانتقال السياسي، الذي يقتضي بالضرورة نهاية مرحلة وبداية أخرى، وهذا معناه نهاية حكم عائلة الأسد إلى الأبد.

المصدر
الأناضول 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مجلس القبائل والعشائر السورية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading